الجاحظ

144

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

فمدح كما ترى الإطالة في موضعها ، والحذف في موضعه . ومما يدل على شغفهم وكلفهم ، وشدة حبهم للفهم والإفهام ، قول الأسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها ، بأقلّ اللفظ وأوجزه ، فوصف إيجاز الناعت ، وسرعة فهم المنعوت له ، فقال : بضربة نعت لم تعد غير أنني * عقول لأوصاف الرجال ذكورها وهذا كقولهم لابن عباس : أنّى لك هذا العلم ؟ قال : « قلب عقول ، ولسان سئول » . وقال الراجز : ومهمهين قدفين مرتين * جبتهما بالنعت لا بالنعتين « 1 » ظهراهما مثل ظهور الترسين * قطعته بالأمّ لا بالسمتين وقالوا في التحذير من ميسم الشعر ، ومن شدة وقع اللسان ، ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو ، قال امرؤ القيس بن حجر : ولو عن نثا غيره جاءني * وجرح اللسان كجرح اليد وقال طرفة بن العبد : بحسام سيفك أو لسانك والكلم * الأصيل كأرغب الكلم قال : وأنشدني محمد بن زياد « 2 » : لحيت شماسا كما تلحى العصي * سبّا لو أن السب يدمي لدمي

--> ( 1 ) المهمة : القفر المخوف . القذف : البعيد . المرت : التي لا ماء فيها ولا نبات . وصف نفسه بالحذق والمهارة . ( 2 ) محمد بن زياد : هو الراوية المعروف بابن الأعرابي ، عاصر الجاحظ وقد أخذ عنه الكثير من الشعر واللغة ، توفي سنة 231 ه .